المدن مثل الإناث .. كل واحدة ولها جاذبيتها .. وعبيرها .. ومكياجها .. وتسريحتها !
والمدن لها أسرارها .. وغموضها .. وأنفاسها .. وسحرها، ولذلك ما أسهل الوقوع في شباك حبها من أول نظرة !
زرت بعض مدن السودان، وسقط قلبي صريع هواها جميعا، ولو كان الأمر بيدي .. لجعلت في كل مدينة مقرا .. أنام في حضنه .. وأتحسس دفئه ، وأتلمس حميميته ليل نهار .
أحببت عطبرة .. وأحسبني ــ رغم البعد ــ أحد أبنائها، وأحببت كسلا، ونيالا، والدمازين. وبمناسبة الدمازين فهي ذات سحر فريد، خصوصا في الخريف، وكم كنت أود أن أبني فيها قطية، وأستمتع بالسكنى داخلها .. بدلا من استراحات الأسمنت التي تستضيفني كلما سنحت الفرصة لزيارتها .
لكن أعظم ساحرة .. ملكت القلوب ، وجذبت الانتباه .. وتساقط في هواها العشاق .. هي أمدرمان.
أمدرمان هي التي تستقطب كل العشاق، فمن يحب الأبيّض لا يستطيع فكاكا من ضم أمدرمان إلى قلبه ، ومن يحب بورتسودان لا يجد حرجا في إعلان حبه جهارا عيانا لأمدرمان ، ومن يعشق دنقلا يفرد أيضا مكانا فسيحا في قلبه لأمدرمان، ومن يهيم بكوستي لا يتردد في أن يبث هيامه أيضا .. لست الحسن .. أمدرمان !
أم درمان هي القاسم المشترك الأعظم لقبيلة العشاق .. الكل يتسابق لبث هيامه لها .. والكل يتودد لنيلها وطابيتها وريفيرتها وبوابة عبد القيوم فيها !
العجيب .. أن أمدرمان لها قلب يسع الجميع .. كل محبيها يجدون في رحابتها احتفاء خاصا منها .. والأكثر عجبا .. أن لا أحد يحس بالغيرة من عاشق آخر يزاحمه في حب البقعة، الكل يحبونها، والكل يحظون بحبها، والكل يرشف من نتح أزاهيرها .. ليصبح ذلك ترياقا يذيب الغيرة، ويبث القربى بين محبيها أجمعين !
حتى أولئك الذين لم يحظوا باستكشاف سحر أمدرمان، أو لم يقعوا في نطاق جاذبيتها، لا ينكرون أن أمدرمان (اسم) له وقعه الخاص . وأن الأمدرمانيين لهم شخصيتهم المميزة، ولعلهم الأقرب لاجتذاب قلوب الناس حتى في المدن البعيدة، فما أكثر تجمعات الأمدرمانيين وأصدقائهم في كل أصقاع العالم .. لا يجمعهم شيء سوى رباط العشق الأمدرماني .. ويا له من رباط !
قلت ذات يوم .. في هذا العمود، إن (الأمدرمانيات) هن الأقدر على أجمل أنواع الطبخ، ولا عجب إذن أنهن الأقدر على تطويق محبيهن .. وتحجيمهم من (الطيران) !! لكن الأمر ليس مقصورا فيهن، فالأمدرمانيات هن من أضلاع الأمدرمانيين، ولذلك لا غرابة أن يكون جميع من جذبه حب أمدرمان .. من ذات الخامة الفريدة .. بكل جمالها وقيمها وأصالتها .
كل المدن لها همسها الخاص ، وبوحها الندي الذي لا يسمعه إلا العشاق ، لكن همس أمدرمان، وبوح أمدرمان، وعبق أمدرمان، هو مزيج فريد من عطور الجرتق حين تفوح، ومن زغاريد الحناء حين تنطلق، ومن بشارات المزن حين يلوّح بالهطول على الحقول الظامئة .
هنيئا لعشاق أمدرمان، وهنيئا لأمدرمان بعشاقها، وما أحوج المدينة الوادعة .. لأن تكون في حدقات مسؤوليها عناية ورعاية .. مثلما هي في حدقات عشاقها .. حبا وهياما !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق